محمود عبد الرحيم:الخوف من “ثعالب السياسة” وليس الدم

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

بسم الله الرحمن الرحيم

نظرا للعديد من الظروض ترافق معها الأجواء المحيطة بالعمل الإعلامي في مصر و كذلك مع استمرار حجب محتوي المؤسسة عن الوصول للجمهور قررت إدارة مؤسسة البديل تعليق و تجميد موقع البديل و منصاته الإعلامية وإيقاف بث كافة أنواع المحتوي المرئي و المكتوب لحين إشعار آخر

ونعتذر لجمهورنا ومتابعينا عن عدم قدرتنا علي الاستمرار في الوضع الحالي علي أمل العودة يوما ما إن شاء الله تعالي

البديل ٢٢ إبريل ٢٠١٨

مثل كثير من المصريين يتصارع داخلي الخوف والرجاء.. خوف ليس من العنف الذي بات بإمتياز عنوان المرحلة ماديا ومعنويا، ولا من الدم الذي شئنا أم أبينا يسيل يوميا، والتى لم تحرص السلطة الحاكمة السابقة أو الحالية على الحيلولة دون إراقته، بل تورطت في الدفع إليه لحماية مكتسباتها غير الشرعية، وأنما الخوف الحقيقي على مصير هذا الوطن الذي لا تضعه كل الفصائل، خاصة القوى الدينية في إعتبارها، والذي لم يعد أحد يدري إلى أين يمضي بنا، وهل إلى خير أم شر؟، وهل سيتحقق رجاؤنا، ونصل إلى ما نصبو إليه بعد الفاتورة الباهظة التى دفعناها على مدى أكثر من عامين، وما زلنا ندفع المزيد كل يوم، ثمنا لأخطاء الساسة الانتهازيين والفاشلين من كل التيارات بلا إستثناء.. أم سنعود إلى المربع الأول.. وذات الدائرة الجهنمية، أى النظام الذي صنعه الأمريكان في مصر، منذ حقبة السادات، وشبكة المصالح المعادية لحقوق ومصالح المصريين، التى يتم توارثها على مدى أكثر من 40 عاما، والتى يشترك فيها الفلول مع الجنرالات مع الإخوان؟

ربما ما يزعجني بشدة، مؤخرا، هو تصدر المشهد من جديد من قبل عواجيز السياسة، أو بالأحرى الثعالب الماكرة المشهود لها بالسذاجة والانتهازية معا، والتى هي جزء من الأزمة الحالية التى تعيشها مصر، ويجب أن يتم تنحيتها جميعا، وتنال ذات عقاب المتربعين على السلطة، وليس إعطاؤها فرصة القفز لسرقة ثمار تضحيات أبناء الشعب ونضالاته، فهي، بلاشك، الوجه الآخر القبيح للأخوان وأشياعهم من اليمين الديني.

 والمزعج أكثر، بالنسبة لي هو احتواء حركة”تمرد” الشبابية في حزب الوفد المعروف بتواطؤ بعض قياداته مع الأجهزة الأمنية، واحتضانها للفلول، والعمل مع أي نظام يضمن مصالحها، وظهور هيكل في خلفية الصورة يمنح مباركته ونصائحه بعد أن تجاوزه الزمن والأحداث، واتضاح تورط نجله في فساد أبناء المخلوع وصفوت الشريف، وكذلك دخول جبهة الانقاذ على الخط، بعد فشلها الواضح للعيان في إدارة حركة الشارع، واهدار عديد من الفرص لإسقاط نظام الاخوان، وافتقادها  للخبرة السياسية وصدق النوايا اللازمة للتعاطي مع استحقاقات المرحلة، وتحالفاتها المريبة للاضداد، دون انسجام في الرؤى والقناعات الفكرية، ناهيك عن فقدان التأييد الشعبي، وهو أمر غير مريح ولا يبشر بخير.

 وما يدعو للقلق أيضا هو الترويج للجنرالات مجددا، وإفساح المجال لتسويق “البديل العسكري” شعبيا، المرحب به أمريكيا عند اللازم، وبعد استنفاد الاخوان لكل فرص البقاء، حتى لا تسقط السلطة في يد من ليس أهلا  لثقة واشنطن، وعودة الشعارات المضللة من قبيل “الشعب والجيش أيد واحدة” و”حماية الجيش للثورة” الذي كان أداة القتل الاستخباراتية الناعمة لطموحات ملايين المصريين، والتكتيك الذي جرى به اجهاض الانتفاضة الشعبية الاولى، وإفلات مبارك ورجاله من العقاب، ووضع خارطة الطريق”الامريكية الصنع” التى قادت إلى إعادة انتاج النظام بوجوه الاسلاميين، واهدار تضحيات المصريين من اجل الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية.
المشكلة أن كثيرين لا يدركون أن الثورة كالحرب، كما قال الفيلسوف الشهير برتراند راسل،  تجدد دماء الشعوب، وليست لعبة سياسية يحترفها سماسرة السياسة، أو نزهة ترفيهية، أو مجرد تفريغ شحنة غضب أو حتى احتجاج سلمي، مثلما هي الأمور في الظروف العادية أو في مواجهة نظام ديمقراطي، وهي تحتاج لخطط وخطط بديلة، ودراسة لأبعاد الموقف داخليا وخارجيا وعقلية الخصم وردود فعله، وتمويه وخداع، ودعم إعلامي وإسناد شعبي، وتحديد الهدف والحلفاء بدقة وليس التحالف مع أى قوى حتى لو كانت متناقضة معي في الأهداف، وربما في حالة عداء خفي أو تستغلني لتصفية حسابات والصعود على جثث الثوار.

 بالإضافة إلى نقطة مهمة أخرى، وهي ضرورة إبداء الرغبة والقدرة على التضحية، والرهان على المستقبل، وليس الخضوع للحسابات الضيقة والمواءمات وقبول المتاح.

 ومثلما أن الجيوش إذا لم تستولى علي الأرض لا تكون حققت انتصارا، فبالمثل الثوار إذا لم يتمكنوا من انتزاع السلطة والمؤسسات، فيكونوا قاموا فقط بحركة احتجاجية، وتنفيس عن الغضب دون أثر على الارض، ويكون مصيرهم الفشل، وربما التنكيل، وتقوية موقف السلطة الفاسدة المستبدة أكثر، أو من هم على شاكلتها من القافزين الجدد على السلطة.

وللأسف نصنع المآساة بأنفسنا وبهذا الوطن بتفكيرنا العقيم ضيق الأفق وسذاجتنا السياسية التى يتمتع بها الساسة في مصر قبل العامة، فرغم الحديث عن ثورة ماضية، وثورة تلوح في الأفق، إلا أننا نفكر بعقلية حقبة مبارك بل والسادات، ونحصر أنفسنا في خيارات ضيقة يحددها خصمنا سلفا.. ذات طبيعة ثنائية تجعلك لا تختار سوى ما يُعرض عليك حتى لو كان كلاهما مدمر وضد مصلحتك، رغم أن التوجه الثوري يعني أن نحدد خياراتنا بأنفسنا وببراح لا نهائي، وخارج الأطر التقليدية.
فأمس كان إما مبارك أو الفوضي؟، إما المجلس العسكري أو الضياع؟، إما عمر سليمان أو الشاطر؟، أما مرسي أو شفيق؟، والآن نسير علي ذات المنوال أما الاخوان أو الحرب الاهلية، أما مرسي أو الفلول أما مرسي، أو الجنرالات، وربما شفيق مرة أخرى أو الاثنان معا.
وحتى الجيل الجديد، للأسف تم إفساد معظمهم، وساروا يقلدون عواجيز السياسة في مراعاة التوزانات والحسابات الضيقة والمصالح الانتهازية، والتبرك برموز فاسدة عفا عليها الزمن، وتقليد الساسة الفاشلين في التركيز على الحضور الإعلامي، والحصول على لقب “نجم تليفزيوني” وليس قيادة واعية تتقدم الصفوف بحق، وتقود الجماهير لتحقيق أهدافها، وتضرب المثل في التضحية وإنكار الذات والتفكير لمدى أبعد يتقدم حركة الشارع ولا يأتي خلفها، كما هو حادث حاليا.
 من هنا اقول لكم، تجاوزوا كل هؤلاء، ثوروا تصحوا.. ثوروا على هذه الثنائيات، والخيارات الضيقة المرسومة أمريكيا واستخباراتيا.. ثوروا على الانتهازيين وفاقدي الصلاحية من السياسيين، لا تراهنوا على الفلول أو الجنرالات، وأنما على الذات.. فكروا بمنطق جديد، واطلقوا العنان لثورة العقل و القول والفعل.

وضعوا في حساباتكم أن بيت الداء يكمن في العلاقة الآثمة مع واشنطن وتل أبيب التي يجب ان تُكتب نهايتها.. حتى يستطيع هذا الشعب أن يسير نحو آماله المنشودة، ويحقق الوطن استقلاله الحقيقي وليس الشكلي.

نصحية أخيرة، العنف الثوري عنف موجه لتحقيق أهداف ولإضعاف السلطة الفاسدة المستبدة، حتي تستسلم أو يُقضى عليها، وليس عنفا مجانيا يُحسب عليك ويخصم من طاقتك ورصيدك الشعبي.